أخبارمقالات

ما السيناريوهات الحكومية لتأمين 3 ملايين ليرة شهريا لكل أسرة؟

ارتفاع الأسعار في سورية

توقفنا مطولا أمام كلام المستشار في رئاسة مجلس الوزراء حول احتياجات الأسرة ماديا لتأمين مستلزماتها المعيشية، ليس بسبب كونه يتضمن جديداً، فقد سبق وسمعنا مثله من جهات خاصة ونقابية، وإنما بحكم منصب قائله، فهو كأنّه يصدر عن الحكومة، أي شبه رسمي!

يقول المستشار لدى مجلس الوزراء إن الأسرة تحتاج إلى أكثر من 3 ملايين ليرة شهريا لتأمين احتياجاتها!

هذا الكلام الجميل والواقعي يعني أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد يعملون جميعا لدى الدولة ويتقاضون الحد الأعلى للأجر لن تتمكن من تأمين أكثر من 20% من المبلغ المطلوب لتأمين متطلباتها الأساسية!

المهم إن الحكومة أقرت من خلال أحد مستشاريها إن ملايين الأسر السورية تعيش بالكفاف، وعلى حوالات الأقارب، أو مساعدات خيرية من هنا وهناك وبوتيرة متقطعة أو بمقولة “دبر راسك”!

والأكثر أهمية أن الحكومة ربما تخطط للمرة الأولى لرفع القدرة الشرائية للأسرة السورية، وبالتالي فإن السؤال: ما السيناريوهات الحكومية المتاحة لتأمين 3 ملايين ليرة لكل أسرة سورية؟

سيناريو (دبر راسك)

قد يبدو هذا السيناريو غريبا في عالم الاقتصاد، لكنه مريح جدا للحكومة، وكان أول من استخدمه علنا رئيس الحكومة السابق في تسعينات القرن الماضي، ففي اجتماع مع الإعلاميين في قاعة جريدة البعث أجاب رئيس الحكومة آنذاك عن سؤال حول تدني المستوى المعيشي بما معناه: “على حد علمي ما من سوري ينام في الشارع أو يبيت بلا طعام.. السوري شاطر ويعرف كيف يدبر راسه”!

لاشك إن السؤال الأكثر إلحاحا في السنوات القليلة الماضية وخاصة هذه السنة هو: كيف يتدبر السوريون أمورهم بأجور زهيدة جداً؟

والسؤال مشروع طالما أن أساتذة في كلية الاقتصاد وتقارير التنظيم العمالي تتفق مع المستشار في مجلس الوزراء إن الحد الأدنى لمتطلبات الأسرة للسلع الغذائية يجب أن لا يقل عن مليون ليرة!

والسؤال بالتالي: إذا كان دخل أسرة من أربعة أشخاص يعملون جميعهم بالحد الأقصى للأجر لا يتجاوز الـ 500 ألف ليرة فمن أين سيؤمنون ما تبقى من مليون ليرة؟

وبما أن ما من أسرة يمكنها الاستغناء عن المتطلبات الأخرى: سكن ونقل وطبابة وملبس..الخ .. فمن أين ستدبر مبلغ الـ 3 ملايين ليرة الذي حدده المستشار المطلوب لكل أسرة؟
الوقائع تشير إلى أن الحكومة ترى أن سيناريو (دبر راسك) هو الذي يتيح لمعظم الأسر السورية القبول بأجر زهيد، ولديها الدليل على هذا الأمر من خلال الإقبال المنقطع النظير على المسابقات التي تعلنها الجهات الحكومية، وبالتالي فإن وزير المالية سيجيب في كل مرة يثار فيها الأجر: إذا كان راتب الحكومة قليل فلماذا (الاستقتال) للفوز بوظيفة حكومية؟
السؤال: ما مصادر الدخل المتأتية من (دبر راسك)؟

الكل يجزم أن المنصب الحكومي يفسح المجال لقبض (الإكراميات والهدايا) وتتفاوت قيمتها حسب الموقع واحتكاكه بالناس، وإذا كان حساساً فإن شاغله يمكنه استغلاله للكسب غير المشروع، والدليل ملفات الفساد التي تكشفها أجهزة الرقابة وتحيل أصحابها للقضاء، ولا يعني هذا أن الجميع يقع في قبضة الرقابة فأخطر أنواع الفساد يتم ووفق أنظمة نافذة كالمناقصات والعقود، أو الانخراط في مافيات الفساد كالدقيق والمحروقات..الخ

وتأتي حوالات السوريين في مقدمة سيناريو (دبر راسك) وهذه الحوالات بالنسبة لعدد كبير من العائلات شهرية، وترتفع قيمتها في الأعياد والمناسبات الأخرى كافتتاح المدارس والجامعات!

وتلجأ بعض الأسر إلى (تدبير راسها) بتصنيع بعض المواد الغذائية وبيعها على بسطات أو عبر اتصالات مباشرة مع الجيران والمعارف أو عبر النت وصفحات التواصل الاجتماعي!
ولا ننسى التسول عند الحديث عن سيناريو (دبر راسك) فقد أصبح مألوفا مشاهدة الكثير من الشبان والصبايا يتسولون بل ويتفننون باستجداء المال بأساليب شتى!

أما أخطر ما في سيناريو (دبر راسك) فهو اضطرار الكثير من الأسر إلى بيع مدخراتها من الذهب والدولارات، و تأجير وبيع أصولهم العقارية والتجارية والأراضي والعيش منها، وتحديدا الأسر التي لا تتلقى الحوالات وتأبى الحصول على مساعدة الجمعيات الخيرية.

والأشد خطرا في سيناريو دبر راساك الهجرة وهي لا تقتصر على الشباب العاطل عن العمل بل تشمل الكوادر والخبرات العالية التي أنفقت الدولة عليها المليارات لتتلقفها الدول الغربية لقمة جاهزة ومجانية!!

سيناريو تصحيح الأجور

وهو الحل الجذري لردم الهوة السحيقة والتي تزداد عمقا يوماً بعد يوم، وهناك خطأجسيم في التعاطي مع هذا الأمر، فالكل بمن فيهم أساتذة اقتصاد يتحدث عن زيادة الرواتب بنسبة 300% على الأقل أو رفع دخل الأسرة إلى مليون ليرة، لكن دون أن يقولوا كيف يمكن تحقيق هذه الزيادة؟!

كما أن الجميع تقريباً يتحدث عن الحد الأدنى المطلوب لتأمين الغذاء أي مليون ليرة شهرياً، وكأنّ الأسرة لا تقيم في منزل مستأجر ولا تستخدم وسائط النقل ولا تنفق قرشا واحدا على الإستطباب واللباس والتعليم..الخ.

والمستغرب أكثر جزم غالبية المنظرين أن الحكومة لا تستطيع تحمل رفع الأجر إلى مليون ليرة لأن مواردها أي ميزانيتها محدودة جدا بالكاد تكفي المتطلبات الأساسية الأخرى والتي تعكسها الموازنة العامة للدولة، وبعضهم يقترح زيادة الرواتب تدريجيا تجنبا لمزيد من التضخم.

والمفارقة أن الحكومة تتحدث دوماً عن زيادة الإنتاج دون أن تسأل عن دخل الأسرة القادر على شراء الإنتاج، بدليل تراجع إنتاج سورية من اللحوم والفروج والبيض والألبان والأجبان، بل واختفاء هذه المواد عن موائد ملايين السوريين معظم أيام السنة.

لقد كنا دائما من أنصار تصحيح أو تعديل الأجور، فمنذ مطلع القرن الحالي لم تزد أي حكومة الأجور، بل عمدت قصدا إلى تخفيضها من 250 دولارا في عام 1980إلى أقل من 30 دولارا عند بدء التعيين حاليا، في حين قامت بتعديل أسعار السلع والخدمات في القطاعين العام والخاص حسب التكلفة المتناسبة مع كل تعديل لسعر الصرف، والسؤال الذي لم تجب عليه أي حكومة: لماذا بند الأجور هو المستثنى الوحيد من التعديل في كل مرة تعدل فيه الحكومة سعر الصرف؟

سيناريو المشاريع الصغيرة

لعل سيناريو دعم آليات التمويل للمشاريع الصغيرة من أنجع الوسائل لتحسين الأوضاع المعيشية للأسرة السورية من جهة، ولتزويد السوق بسلع جيدة بأسعار مناسبة مع إمكانية توليدها للقطع من خلال تصديرها!

وعلى الرغم من أهمية هذا السيناريو المنتج والرافد للاقتصاد الوطني وغير المكلف لخزينة الدولة، فإن ما من حكومة اعتمدته حتى الآن، فالدعم للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر لا يزال محدوداً جداً، بل أن وزارتي التجارة والاقتصاد مقصرة جدا بتسويق منتجات هذه المشاريع داخليا وخارجيا.

سيناريو المادة 40 من الدستور

تنص هذه المادة على منح العامل بأجر لا يقل عن الحد الأدنى لمتغيرات الوضع المعيشي، ولم تناقش أي حكومة، ولا حتى التنظيم العمالي تنفيذ هذه المادة .. فلماذا؟

سيناريو السلة الغذائية

وهو سيناريو متداول منذ عشر سنوات دون اتخاذ قرار بتنفيذه إذ يمكن لوزارة التجارة الداخلية أن توزع سلة غذائية متكاملة تتضمن المواد الأساسية لكل أسرة بأسعار تناسب الدخل المحدد من قبل الحكومة.

الخلاصة

سواء كانت الحكومة بصدد اعتماد سيناريو محدد أم ستكتفي باعتماد الحوافز والعمل الإضافي فإن كل المؤشرات تؤكد ما قاله المستشار في رئاسة مجلس الوزراء أن الأسرة لا يمكن أن تعيش اليوم بأقل من 3 ملايين ليرة شهرياً، فما الحل أو السيناريو المقترح لتأمين هذا المبلغ؟

علي عبود- صحيفة البعث

تابعونا على التلغرام

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى