«نــادي شام للقراء» ينتصـر للقصة ويقع في فـخ اللاتخصص! بطرس: القصص التي تتحدث عن الحرب تموت بعدها!

الحكم من المظهر ليس منطقياً، لكن هذه المرّة توجسّت خيراً لكثرة البطاقات التّعريفية بالفريق التّنظيمي التي تزيّن أعناق معظم الشباب والصبايا ممن قابلتهم من أعضاء «نادي شام للقراء»، لذا لم يراودني أبداً أن أعلّق ناظريّ وأتسمّر في مكاني لأنتظر ما يقارب الساعة ونصف الساعة كما الثلاث والعشرين لوحة التي ملّت انتظار عيون المراقبين والمتفحصين والفضوليين من زوّار المعرض ومتابعي المهرجان الثّاني الذي أقامه

النادي في المركز الثقافي العربي في «أبو رمانة» على مدار يومين، وأتبعه بيوم ثالث في المركز الثقافي العربي في العدوي ورابع في خان أسعد باشا، وللمرة الثانية ظننت أنّ التأخير سيقتصر على اليوم الأوّل فقط فبرّرته، لكنه كان على مايبدو فقرة ثابتة في برنامج المهرجان حتى يومه الرابع الذي لم يقدّم شيئاً جديداً سواء من حيث النّشاطات أو الأفكار، لأنّ المنظمين أرادوه احتفالاً بالذكرى السنوية لتأسيس النادي إذ اقتصر على فقرة موسيقية وأخرى شعرية تضمّنت الشباب أنفسهم الذين شاركوا في اليوم الثّاني وهم أحمد العجة وكمال أبو الخير والدكتور نضال خليفة ومحمد بواب.. تعددت الصّور والتّشابيه وتميّزت اللغة في النّصوص بينما كان الموضوع بشكل عام تغزلاً بالحبيبة والوطن والأم، فتنوعت القوافي بعض الشيء مع اختلاف حرف الروي عند البعض، لكنّها بالمجمل قدّمت لغة مختلفة ومستوى أفضل من بعض الهواة الموجودين على المنابر الثّقافية بشكل دائم، ليترك السّجال الذي نادراً مايحصل -عادة مايكون في شعر الزّجل- بين نضال خليفة وكمال أبو الخير أثراً طيباً ومرحاً في نفوس الحضور.

عن كيفية انتقاء المشاركين يوضّح عبد الرحمن الدللي المسؤول عن الفقرة الشعرية: تمّ الإعلان عن فرصة المشاركة في المهرجان وتقدّم إلينا حوالي خمسة وثلاثين شخصاً وعرضنا النّصوص على أعضاء اللجنة الذين نتحفظ على أسمائهم وتمّ اختيار خمسة فقط.
يشكّل المهرجان فرصة جيدة لأعضاء النادي لتنمية القدرات والمهارات في أي مجال أدبي أم موسيقي، يضيف محمد بواب: تعوّد المشارك على أجواء ثقافية كهذه ولاسيّما أنّها تطوعية أي يأتي إليها من يريد تقديم شيء جديد.. وعلى خلاف مهرجانات أخرى، استقطبت القصّة القصيرة جلّ الاهتمام والنّقد وربما طغت على الشّعر، على الرّغم من أنّ الإصغاء إلى قصة قصيرة أمر ليس بالسّهل ويحتاج إلى تركيز وتمعّن، لكن هذه المرة قدمت القصة القصيرة بحجمها المعقول وبشخصياتها المكثفة وأحداثها المدروسة ولغتها الجيدة وتنوعت مواضيعها بين الحب والحرب، كذلك تعددت تقنيات كتابتها إذ جاءت قصصاً بنهايات مغلقة وأخرى مفتوحة بينما لفّت ودارت نهايات قصص أخرى وعادت إلى بدايتها.. نذكر من المشاركين معاذ فوزي «لن أحب قبل الرابعة» وناصر القاضي «بقايا زجاج» وقدمت تبارك السماك قصة بعنوان «بحر زائد ملوحته»، ونهاوند كلكوش «لم ينته الأمس» ونور كناكري «اللاجئة» وشذا يونس «لعنة الدماء» ومحمد غرير «لعنة بكماليون»، وقد أشرف على هذه الفقرة القاص والسّينارست بشار بطرس والقاصّة رزان عويرة، يقول بطرس: هذه الفقرة هي نتاج الورشة التي أقيمت في شهر آب، وأصرّرت على أن تكون لقرّاء النادي لأنّ أي شيء في الحياة لا يرفد بدماء جديدة يموت.. على خلاف الشّعر، تلا كلّ قصّة نقد مختصر لم يكن ضرورياً لأنّ اللجنة اتفقت مسبقاً على النّصوص المشاركة ولأنّها أمسية، لكن على مايبدو لم يكن الاتفاق متيناً كفاية إذ تمزّق بعض الشيء ليكون النّصان اللذان قدمتهما نور جومر النقطة التي أغرقته، فالقاصة عويرة رأت أنّهما خاطرة بينما رأى القاص بطرس أنّهما حققا عناصر القصّة، وعلى الرّغم من أنّه مع الفكرة القائلة بأنّ القصّة الحزينة تؤثّر في نفس الإنسان أكثر من السّعيدة فقد نصح بعدم الكتابة عن الحرب، يبين بطرس: القصص التي تتحدث عن الحرب تموت بعد الحرب، لأنّها ليست من المقولات العامّة التي يتعامل معها الأدب، لذلك ينصح بعدم الكتابة عن الحرب لأنّ الأدب يتعامل مع الكليات بكلّ تجلياتها.
«القيمة الإنسانية في صور من الأدب العالمي» كان عنوان إحدى الفقرات وفيها قدّمت كلّ من تبارك السماك وعلا طه ملخص أربع قصص من الأدب العالمي لمناقشة الحدث فيها، والقصص هي «المعطف» لنيكولاي غوغول و«الحرباء» لتشيخوف و«بطاقة توصية» لنجيب محفوظ و«موت فراشة العث» لفرجيينا وولف، وأتبعتا كلّ قصة بسؤال واحد: ماذا لو كنت بطل القصة؟ فكرة جديدة موفقة وإن كان الهدف هنا تسليط الضوء على جانب واحد من جوانب مناقشة القصة ألا وهو القيمة الإنسانية لا الأدبية، ربما كان من الأفضل أن يكون المهرجان بمجمله هكذا عرض كتب وقراءات ليتسنّى للحضور أن يتعرّف على كتب لم يستطع الحصول عليها، وهكذا يتوافق الاسم مع الفعل ويتحدد الهدف أكثر، يسمو ويتطوّر ويتمّ التركيز على كلّ تشعباته والعقبات التي تقف في طريقه – المقصود القراءة-، وعوضاً عن حفلات الموسيقا كان بإمكان أعضاء النّادي تقديم فكرة أو مختصر لكتب في الموسيقا والفن التشكيلي والكتب التي تمّت قراءتها بقصد أو بغيره وتأثيرها في حياتهم، والتنويه بالإصدارات الحديثة والقراءات النقدية التي رافقتها إن وجدت، كذلك الأمر بالنسبة للسّينما التي أخذت حصّة لا بأس بها من المهرجان، ففي اليوم الأوّل عرض فيلم «سينما ميكينغ أوف» للمخرج مهند حيدر الذي يشارك للعام الثاني في هذا المهرجان وفي اليوم الثاني فيلم «جوليا» لسيمون صفية.
يقول حيدر: للأسف التجهيزات ليست على مستوى جيد، الشاشة معتمة، وحتى ينسجم الحضور مع الفيلم ويتلقونه بشكل جيد يجب أن تكون التجهيزات جيدة، أنا لا ألوم المركز ولا النادي، السينمائيون السوريون على مختلف أعمارهم يلبّون مباشرة أي دعوة وهذا يدلّ على أهمية هذه الملتقيات ورغبة السينمائيين بالمساهمة في نشر الثقافة السينمائية، لكن للأسف المشكلة في الإمكانات والدعم.
للأطفال نصيب ونصف النصيب من المهرجان إذ خصص القائمون على المهرجان فقرة للحديث عن أهمية القراءة في تنمية صحتهم العقلية، وتحدثت الدكتورة رهف جابرة عن دورها أيضاً في توسيع خيال الطفل ومدركاته تقول: تفكير الطفل، في جزء كبير منه، هو خيال لذلك لابدّ منذ توجيه هذا الخيال لأنّه يلعب دوراً كبيراً على الصّحة النّفسية والعقلية للطّفل.
«أفكار تستحق النشر» لكن ليس في مهرجان للقراء بل في مهرجانات أو ندوات خاصة بالموارد البشرية والتدريب والتأهيل، في هذه الفقرة اشتغل المشاركون على جوانب حياتية ومجتمعية وسلوكيات مغلوطة نمارسها، إذ تحدث جميل عطايا عن قوة التأثير وفرص العمل وكيفية التعامل معها، كما تحدثت شهد وأسماء ضاهر عن تمكين طلاب الجامعات وربطهم بسوق العمل، كذلك تحدث فارس الزهر عن الحلول البديلة التي يجب أن توجد في قاموس ومخطط كل شاب، المشاركة الوحيدة في هذه الفقرة والتي تهتم بالقراءة هي التي قدمتها تبارك السماك وفيها تحدثت عن تسجيل الكتب الصوتية لمساعدة المكفوفين ليتكرر ماقالته في الفيديو التعريفي الذي قدمته شأنها شأن بعض زملائها، أما نجم هذه الفقرة فكان حسن خازم الذي تجاوز إعاقته بالرسم وتصميم الأزياء والموسيقا أيضاً.

إقرأ أيضاً ..

زر الذهاب إلى الأعلى