«حرائق» محمد عبد العزيز تطفئ العطش إلى السينما سـينما تكسـر التَّوقُّع

لعل المتوقَّع الوحيد في فيلم «حرائق» لمؤلفه ومخرجه محمد عبد العزيز هو تفرُّد رؤيته السينمائية واشتغاله على اللا متوقع، ابتداءً من النص المحموم بالإنسانية وهواجسها في زمن الحرب، فلا انعكاسات لذاك الزمن إلا ما انحفر منه على وجوه البشر وملامحهم، ولا دمار إلا المُندغِم بأرواحهم، حتى الخوف والألم، الفرح والأمل، لم تكن على السطح بل تم نبشُها من أعماق وجدان

الشخصيات التي ما بَرِحَت تُقاوِم ثقافة الموت، مرَّةً برفض شخصية «وداد» التي أدتها «نانسي خوري» الزواج بلا حُب، ولو كلَّفها ذلك صعود طاحونة هواء للتواصل مع الحبيب في ظل شبكة ضعيفة وتغطية شبه معدومة، وأيضاً مقارعة تسلُّط والدتها اليائسة من العمل في مدجنة، وأخرى برفض «المُسعفة في الهلال الأحمر.. جفرا يونس» إجهاض ثمرة حُبّ صادق ولو ظلّ الأب التّشكيليّ مُرتَهناً لدلاء اللون الأحمر كمحاولة لهروبه من دماء الواقع الحارَّة، وثالثة برفض «خولة.. رنا ريشة» للموت بسبب عقلية والدها الانتقامية لكونها تزوَّجت «خطيفة»، ورابعة بعدم رغبة «أماني إبراهيم» أن تكون شهيدةً وسبباً في شهادة كثيرين.
اللا متوقع يستمر، إضافة إلى هذه الخطوط الدرامية، بمشهديات صارخة بالجمال، سواء للهرب داخل المدجنة، أو لإحراق الدجاجات النافقة بسبب المرض وما تحيل إليه، أو لمدينة دمشق من أعلى بناء يلبغا غير المكتمل حتى الآن، وغيرها، إلى جانب لقطات ذكية لافتة عن «الثقافة الإسلامية»، وأخرى ضمن سينما الفردوس/ ملجأ المُهجَّرين في «حرائق»، عن أفلام تحكي عن تجارة الأعضاء وتغيير الجلد والسقوط المُرّ… فضلاً عن تأجيج فضائل الحُبّ ورفع أنخابه وتتويجه ولو من دون شهود، وتنويع مُذهِل في زوايا التصوير وإيقاع القطعات المونتاجية بما حقَّق جاذبية كبيرة في السّرد البصري استطاع من خلاله المخرج أن يجذب الجمهور طوال الساعتين ونصف الساعة من زمن الفيلم، من دون أن يترك للمُشاهد أي فرصة لأن يَصْدُقَ توقُّعه، إذا استثنينا الأمل الذي بثُّه «محمد عبد العزيز» في ثنايا شريطه عن انتصار الحب، والحق، والجمال السينمائي، الذي أثبت أن دماً جديداً في أوصال السينما السورية سيكون حليفاً مهماً لنهضتها المتوخاة منذ زمن.

زر الذهاب إلى الأعلى