بين المثقف والناقد

بقلم : صباح العلي

 

بين المثقف و الناقد؟؟!!تعد الثقافة المحرك الأساس للمجتمع نحو التقدم و النهوض ، وماهية القيم الثقافية السائدة في المجتمعات ؛ هي المعيار الأدق للحكم على حركة تقدمها.


وماينبغي أن يتسم به المثقف هو الاستقلال الفكري بعيداً عن الضغوط السياسية ، فالمثقف مجموعة مواقف وليس مجموعة معارف أو حتى موسوعة شاملة ، يجب أن يكون مستقلاً ولا يتملق غرائز الجماهير لكسب النجومية و المريدين على حساب المصلحة العامة…


ما نشهده اليوم كثرة عدد النقاد و اضمحلال عدد المثقفين . فأضحت مجتمعاتنا اليوم تقذف أسوأ مافي أحشائها من مورثات اجتماعية تعصبية ، رافضة الاختلاف. و غير قادرة على التكيف مع استحقاقات الإصلاح الاجتماعي أو الديني أو حتى السياسي ونسوا ثقافة الاختلاف فالكون برمته قائم على التعدد و الاختلاف سنة ثابتة و مستمرة باستمرار الحياة.

 

ردّ (غابريل غارسيا ماركيز) على صحفي سأله عن رأيه في النقاد فأجاب: “النقاد بالنسبة لي هم أكبر مثال على مشكلة المثقفين ، فلديهم نظريات تحدد الطريقة التي يجب أن يكتب بها الجميع ، ثمّ تبدأ محاولاتهم لوضع الكاتب داخل هذه النظرية كي تناسبه مقاساتها الضيقة “.

ما يهمنا أن يكون الكاتب واضحاً دقيقاً كي يصل إلى القارئ دون الحاجة إلى ناقد. فالكاتب الحقيقي يبقى مع الأيام أمّا النقاد فيتم استبدالهم بآخرين بحركة دائمة..
المثقف الفذ أو لنقل الكاتب القدير هو من يكون مقتنعاً بما يكتب قبل تقديمه للآخرين و تعرضه للنقد اللاذع.

لقد أعاد (أرنست همنجواي) كتابة الصفحة الأخيرة في كتابه _ وداعاً للسلاح_ تسعة و ثلاثين مرة . نعم تسعة وثلاثين مرّة حد الإقتناع أنها تصلح للنشر .
كذلك فقد تفرغ الفيلسوف ( مونتيسكو) في كتابة _ روح القوانين _ الذي يعد الآن مرجعاً لحقوق الإنسان و الدساتير المكتوبة كدستور للولايات المتحدة الأمريكية لمدة خمس سنوات..
نحن لا نريد أن نلغي دور النقد ولا حتى ثقافة الحوار فالحياة قائمة على الصيرورة و التغيير و جدلية الشيء و نقيضه. ما يهم الحد من سيول النقد التي تنهال على كل من كتب و اعتقد أنه يقدم جديداً ولو بطرح فكرة أو مشروع أو حتى رأي خاص. فوظيفة المثقف الأساس تكمن في إنتاج المعرفة ، و تغيير الذهنيات لا تغيير الأنظمة أو العالم. والنقد يجب أن يتسم بالبناء و المراجعة البصيرة لأوضاع المجتمع . فتطور المجتمعات و العلوم و النظم و التقنيات و المؤسسات و ازدهارها، هو نتاج آلية النقد و المراجعة المستمرة . كما ينبغي أن يتمايز دور الناقد عن دور السياسي و الإعلامي، فلا يتقمص دورهما ، ولا يستخدم أساليبهما.
وإنما يكون دوره رفع الوعي العام و الحرص على اتخاذ مواقف عادلة و متوازنة ، حفاظاً على الحد الأدنى للوشائج و العلاقات الأخوية ،سائراً بالركب على طريق المعرفة التي نحتاج…

إقرأ أيضاً ..

زر الذهاب إلى الأعلى