كذبة نيسان … وأم الزلف حكاية فصح راس السنة السورية

الدكتور المهندس : يحيى محمد الوادي

بمناسبة اقتراب أول نيسان و قبل أن نغرق في كذبة عيد الكذب أرغب بتوضيح معلومات السوري معني فيها أكثر من غيره .. السوري الذي أضاع البوصلة و التاريخ

دعونا بدل الكذب نحتفل برأس السنة السورية 6765 و هذه هي الحقيقة
السوري يتقدم على التقويم العبري بألف عام وعلى التقويم الفرعوني القديم بخمسمئة عام، وأنه مرتبط بأساطير الخصب المنبثقة من أحوال الطبيعة وتعاقب الفصول.

يرتبط التقويم السوري بعشتار الربة الأم الأولى منجبة الحياة، نجمة الصباح والمساء في آن معاً، الربة التي تصفها النصوص القديمة بأنها «في فمها يكمن سرُّ الحياة، ويشيع من ابتسامتها الأمن والطمأنينة في النفوس. عشتار التي تلقب في الأسطورة بـ«أم الزلف». وهي نفسها أم الزلف التي مازال الناس يغنون لها في أرياف‫#‏سورية‬‬‬ الطبيعية: « عالعين يم الزلف زلفة يا موليا» نعم نغني لعشتار دون أن ندرك ذلك، فكلمة «زلف» تعني بالسريانية أشياء كثيرها أولها: «الثوب الموشى، الزينة، الجمال.. إلخ «أما كلمة «موليا» فتعني: «الخصب، الوفرة، الامتلاء، الإشباع… إلخ» وهذه المعاني كلها تتصل بعشتار الأم والأرض والطبيعة.
إننا نجد في التراث السوري أن عشتار منذ أن دفعت حبيبها “دومحوزي” ( بالسريانية الدال أداة تعريف و “محوزي” تعني المعشوق, الحبيب, صار دوموزي بعد سقوط الحاء) إلى الحياة الدنيا (العالم الأسفل) فقد صار عليه أن يمثل دور رب الخصب “عدوني” (أدونيس” وروح الإخصاب في موته وفي قيامته (بعثه) . وعند قيامته تتزين عشتار, كما تزدان الطبيعة, من أجل لقاء حبيبها, وتتجدد الخصوبة في الطبيعة بما فيها من إنسان وحيوان ونبات مع بدء فصل الربيع .

إن الألق والازدهار الذي تمنحه عشتار للطبيعة في هذا الوقت , ليس في عقيدة الخصب, إلا تجلياً لعشتار نفسها التي تدعى في هذه الحالة “فصحتا” أي السنية, البهية, المتلألئة, الجميلة, الطالعة, الظاهرة, المضيئة… وهو “الفصح” الذي استمر في المسيحية البيزنطية ومازال حتى اليوم بعد أن اقترن بالسيدة مريم والسيد المسيح.

وقد ذهبت الكلمة مع العرب السوريين إلى كافة الأصقاع فانتقلت إلى جميع اللغات بألفاظها وكتاباتها المختلفة.
ثم ما إن صعدت عشتار ” وكانت حسب أوفيد – آخر من صعد إلى السماء ” من الكائنات الأثيرية, أخذ السوريون يحتفلون بذكرى “فصحها” أي (تجليها بالفرح والأنوار) في الأسبوع الأخير من شهر آذار كل عام, فيزينون شجرتها, التي هي الصنوبرة, كما كان يزدان ثوب عشتار, بكل رموز النبات والحيوان التي يرجى إخصابها….فهي شجرة الفصح, التي لا علاقة لها بميلاد السيد المسيح أو بقيامته, بل هي تعبير عن بعث روح الإخصاب في الطبيعة مع بداية فصل الربيع, حيث تنتهي الاحتفالات بعيد رأس السنة في الرابع من نيسان من كل عام.كانت احتفالات رأس السنة السورية تبدأ في الحادي والعشرين من آذار.


الأيام الأربعة الأولى منها تخصص لتقديم المسرحيات ورواية الأساطير. بعدها تبدأ الاحتفالات الدينية لتبلغ ذروتها في عيد رأس السنة السوري في الأول من نيسان، ثم تستمر حتى العاشر منه. وخلال كل هذه المدة كان من المحرم على الناس تأنيب الأطفال ومعاقبة العبيد أو القيام بالأعمال اليومية أو انعقاد المحاكم.
ما أدهشني هو أن أسماء الشهور السورية لا تزال على حالها منذ القدم وهي متصلة بدورة الطبيعة فآذار الذي تبدأ فيه الاحتفالات هو شهر الزهر، نيسان- الربيع، أيار -النور، حزيران- حصاد الحنطة، تموز– فقدان المُخَصِّب حبيب عشتار، أيلول «أولولو» شهر الولولة على «تموز» لزوال خصبه… الخ.
والحق أن الاحتفال بعيد رأس السنة السورية ظل مستمراً في بلادنا عبر آلاف السنين، تحت اسم عيد الرابع، إلى أن حجبته الضرورات الأمنية قبل سنوات، ففي الرابع من نيسان حسب التقويم الشرقي الذي يصادف السابع عشر من نيسان حسب التقويم الغربي، كانت تقام الأفراح وتعقد الدبكات، في مختلف أنحاء الساحل السوري.
صحيح أن أباطرة روما عندما حكموا هذه الأرض حاولوا فرض أسمائهم على تقويمنا مثل يوليوس وأغسطس، لكن بصمتهم زالت بزوالهم.


يرى صديقي أن هذا العيد قد أخذ منا ثلاث مرات، الأولى عند فرض التقويم اليولياني، والثانية عند فرض التقويم القمري، والثالثة عندما أمر «شارل» التاسع ملك فرنسا قبل أربعمئة وخمسين عاماً باعتماد التقويم الغريغوري ونقل رأس السنة من أول نيسان إلى أول كانون الثاني. فقد أطلق على رأس السنة السورية اسم April fool أي أحمق نيسان، وهي عبارة كانت تطلق على أي شخص ينسى أن رأس السنة قد تم نقله من واحد نيسان إلى 1 كانون الثاني. وما يحز في النفس هو أننا، لغفلتنا، جارينا خصومنا في الاستهزاء بتراثنا فاعتمدنا الأول من نيسان عيداً للكذب، جاهلين أنه عيدنا الذي ضيعه جهلنا!

ومازال الحروب مستمرة على تراثنا عبر الجاهلين الطامعين بخيرات بلادنا فأتو ليدمروا الحجر يعبثوا بالتاريخ ويزورا الحقائق. ولكن صحوة حراس الوطن لهم بالمرصاد وسنحارب من يعتدي على حرمة تاريخنا وبلادنا وسنقضي على أحلامهم التي كانت وما زالت بسراديب تحت الأرض وستبقى كذلك وسيفرون منها كالجرذان.
سنعيد نحن السوريون رونق التاريخ وزهوة الحاضر وسنبني المستقبل الزاهر لأبنائنا


وستبق سوريا مهد التاريخ والحضارة ومهبط الديانات.. فمنها بداية الحياة ومنها يكون الحشر.. ومنها تعاد الحياة الأبدية.
المصدر: تاريخ سورية الحضاري القديم – د. أحمد داوود

Deng :Yahya M Alwadi

إقرأ أيضاً ..

زر الذهاب إلى الأعلى