زمان بنكهة الشيطان

 

 

الدكتور المهندس : يحيى محمد الوادي

 

تحدث الكاتب الهويريني مع شهر رمضان بمناظرة جدلية، وأسئلة فكرية، وتساؤلات عقلية، كان ذلك عندما استوقفه مودعاً، بيوم لا لبس فيه، وصيام الشك فيه حرام فالحق يجليه، استوقفه مودعاً متسائلاً ، ماذا فعل العابدين بشمسه ولياليه، بحره وبرده من فجره لغياب الظل فيه، والفجر وليالي عشر والشفع والوتر فهل أحصوه، هل نالوا جائزة الرضا من فوق العرش وحاملوه.


ولكنني لم أتحدث مع رمضان منفصلا، تحدثت مع القمر، سألته عندما كان كالعرجون القديم ، وعندما واكتمل وأصبح سراجاً منير، فالشمس تحرقه وتكويه وتعود من جديد تبنيه.
سألت كل الشهور، كنت أعدها عداً ، وأحمل أيامها سهلاً ومداً ،أجعل من سوادها ردما ، وأرسم من بياض أقلامها أحلاما ، رمضان ومن ورائه ستة من شوال وقبله شعبان وأشهراً سميت بالأيام الحرام ومن بينها أيام بيض ترفع بها البيارق والأعلام وأخرى يصفد بها الشيطان ، أيام تنطوي على كاهلي لتهدم بقية الأيام.
لكن لم يعد يصفد الشيطان برمضان ومعظم الأيام، صار يشارك الناس بسباتهم ونباتهم، بفرحهم وحزنهم، بصلاتهم وصومهم، بسهرهم وقيامهم حتى أنه ارتدى التاج وحمل الصولجان.
اشترى حياتنا بالإعلام، رسم أيامنا بالأحلام فغدا بيننا يتكاثر كالمرجان، ليس خيالاً ولكنه حقيقة بواقع قد نام.
الإعلام بحياتنا صار أودية وأندية ولبس أردية وبرامج ومحطات كاوية، فسق وفجور، ولم يزرع فهو يبور ،ولم يصلح فقد عاث في الأرض الفساد، فويله من القلم وما يسطرون.
درامانا سوق فظيع يباع فيها كل شيء، الدين والأخلاق والشرف الرفيع، وفيها الكل من يشتري وفيها الكل يبيع، يساوموننا على بردة الأخلاق وينظرون لنا كسوق أو كقطيع ينتظر وقت المبيع، يبيعون بثمن بخس دراهم معدودة إنه ثمن زهيد.
جامعاتنا ومدراسنا ومنابر العلم وروافد الأدب وباقي العلوم، صار فيها طلب العلم وضيع والامتحان مزاد بساحاتها فهذا يشتري وذاك يبيع فلم يعد الطالب فيها يكرم أو يهان فاكل صار من الأعلام والكل فاز بدفع الأثمان فهذا مهندس وطبيب وفنان وذاك شاعر وأديب والكل يصنع الإعلام والكل انغمس بالجهل ونام.
مساجدنا كنائسنا حتى دور الأيتام فيها الكل داعية وفيها الكل داهية والكل يبيع الأحلام فلم يعد بيت معمور ولا سقف مرفوع والكل يأكل مال اليتيم ويستبيح ولا يستكين يظلمون النساء ويقولون ناقصات عقل ودين وينسون أنهم من ثديهم أصبحوا فطيم.
منازلنا أصبحت غرف من فوقها غرف، على سرر موضونة متكئين متقابلين ، تطوف علينا أجهزة منقولة وأكثرها محمولة ببرامج خبيثة وإعلام وضيع، فتفرق الجمع وانفض العشير، وغادر من البيت الألفة والحنين.
هذا زماننا يا أيها القمر المنير، وهذه أشهرنا يشهد عليها منكر ونكير، يعلو فيها القبيح، ويسمو السارق واللص ويُذل فيه السامي الرفيع، أصبحنا كموج من القطيع نرى الهشيم برسيما، ونرى التبن كالربيع.
هذا بعض ما كتب القلم، لست بكاتب ولا عالم ولا شاعر، ربما مجنون أو ربما طبيب يدعى الألم.
حروف جمعتها بعد أن فقدها الجميع، أو تناسها كل مناع للخير معتد مريب، دمرها ذلك الإعلام الرديء والجهل المسيء.
والكل عليه النهوض من جديد لأنه يأتي يوم نسأل فيه وليس ببعيد، فإذا بلغت التراق وقيل من ساق والتفت الساق بالساق فهل نستطيع الرجوع لنسأل من راق، كلا إنه الفراق. إن لم نقرأها حينها بقلم البراق.
فالريح إن لم نراها على كل باب ونافذة، على الأشجار وعلى أوهن الأوراق عندها نصبح كبيت العنكبوت وإن أوهن البيوت بيت العنكبوت.
فأين يذهبون فالموت الذي تفرون منه ملاقيكم

Deng: Yahya.M. Alwadi

إقرأ أيضاً ..

زر الذهاب إلى الأعلى