الكاميرا مجهر عالم أحياء!

حرائقُ جسد المدينة المنهوش، المنتَهك، بل حرائقُ أجسادنا المنخورة بالقهر والبؤس والحرمان… من هذه الفجائع يدخل علينا المخرج محمد عبد العزيز في فيلمه الجديد «حرائق» (إنتاج المؤسسة العامة للسينما)، ليورّطنا بمشاعرنا وحسراتنا وخيباتنا وانهدام حيلنا في قلب مشاهد تتناوب بين قسوةٍ فجّة مباشرة وصادمة، وأخرى رقيقة عذبة تُرعِشُنا ذبذباتُ الحب فيها!.


كأن عبد العزيز يريد أن يقول لنا إننا وسط جحيمٍ مستمرٍّ ومتنقّل، ولا أحد بمنجى منه حتى المحبِّون. بل على العكس هم حطبٌ سريع الاشتعال لأنهم بسطاء وطيّبون ولا يريدون من العالم إلا أن يتفّهمهم ويتركهم يحبّون بعضهم. ذاك العالم الجهنمي الذي يتساهل في كل الجرائم وذبائح الشرف، لكنه لا يتهاون مع فكرة الحب بين عاشقين. فالطباق المشهديّ القاسي بين ذبح الفراريج في المسلخ مع صيحات التكبير المتكررة، وملاحقةُ أخٍ لأخته (الممثلة رنا ريشة) الخارجة من السجن، ليذبحها ويطهّر شرف العائلة، يصفعنا من لحظات الفيلم الأولى. يصعقنا كتمهيدٍ للعنف الممزِّق في خطوط الفيلم الأخرى.. إذ كيف لأمٍّ (قدمت الشخصية الممثلة مؤتمن عيسى بأداء مذهل رغم أنها من الكاستينج غير المحترف) هدّها عنف الأيام المرّة أن تتعامل مع ابنتها العاشقة (وداد/نانسي خوري) إلا بعنفٍ آخر تحاول فيه إجبارها على الزواج من «أبو عماد» بائع البيض، معتقدة أنها تحميها من النفوق في المدجنة التي يعيشون فيها حياةً ليست أكثر من نسخة عن حياة الدجاجات حولهم!. وكيف ستنجو أمٌّ قُتِل ولداها ويجبرها مجاهدو الحوريات على ربط حزام ناسف إلا بتفجيره فيهم!؟.
يأتي عبد العزيز صاحب «نص ملغ نيكوتين» و«الرابعة بتوقيت الفردوس» و«دمشق مع حبّي» من ذاكرة بيئته في الشمال السوري، فيغني مشهديته السينمائية هنا بأيقونات تشكيلية متموّجة بالألوان، وبحركة كاميرا مذهلة كمجهر عالم أحياء يلتقط تحولات المشاعر عند شخوص حكاياته، هناك على أطراف الشفاه لحظة تفتّحها كميسم زهرة نديّة، أو هناك مع رجفان الجسد الجاف المتشقّق بالهمّ والعَوَز والخيبات. ولا حاجة كبيرة لنا لامتلاك خبرة جمالية فنية للغوص في احتمالات اللون الأحمر المتكرر كلازمة موسيقية عنيفة في ثنايا الفيلم، مرة كإشارة طباقية أخرى إلى دم الجنود المسفوك بسواطير التكفيريين مع صيحات التكبير، ومرة كإيحاء إلى دمِ الولادة المؤجّلة عند المسعفة في الهلال الأحمر (جفرا يونس) بفعل خوف حبيبها الرسام من عبثية أن نوجد أصلاً ضمن جو الحرب المرعبة هذه.
لكن حين تصل عتبة الألم لما فوق احتمالنا، يُخفّفه علينا عبد العزيز عبر عدة مشاهد بسخرية مُرّة، بكوميديا لاذعة من قلب ذاك البؤس، كي لا نموت قهراً، كي تتحمل شخوص فيلمه شرطها الوجودي القاهر الذي لا يمكنها أن تغيّر فيه أكثر مما يستطيع حيوانٌ هجينٌ تغيير مكانه من قفصٍ إلى قفص ضمن حديقة حيوانات كبيرة!.
هناك ماءٌ في صورة عبد العزيز. تدفّقٌ سلِسٌ باستمرار ومن زوايا تصوير متعددة، وتقطيع مونتاجيّ متوازٍ يُبقينا مشدودين لمعرفة التفاصيل التي لا تهدأ.. فما فعله المخرج هو أنه بحث عن لغة أخرى ليقول لنا من خلالها كم نحن مهزومون كبشر لأننا لم نتعلّم من حروب غيرنا، وكم نحن متوحشون لأن آلاف الضحايا والجنازات والأمهات المقهورات الثكالى لم تردعْ فينا شهوة الدمّ!. وأعتقد أنه ليس مهماً أبداً إن كان أسلوب عبد العزيز الإخراجي قد تأثّر بمشهد ما من فيلمٍ عالميّ، أو أننا شاهدنا ملمحاً من فيلم «سينما باراديسو» الإيطالي حيث الحرائق التهمت السينما مع واضع بكرات الأفلام حقيقةً ومجازاً، فالحكاية هنا هي ما تهمّنا، وهي ما تجعلنا نفكّر: الآن، وبعد كل ما جرى، إلى أين نحن ذاهبون؟!.
«حرائق» الذي سبق أن حصد جائزة أحسن فيلم في مهرجان القاهرة السينمائي وجائزة أفضل إخراج من مهرجان روتردام للسينما العربية، ينتمي إلى الأفلام التي تثير فينا الندم، لكنه الندم الذي يغيّر: يضع رأسَنا تحت الماء حتى نكاد نغرق، ثم يفتح لنا أبواب الرغبة بأوكسجين حياة جديدة، الرغبة بفعل شيء ما حقيقي.. مــن أجلنــا كلّنـا!

إقرأ أيضاً ..

زر الذهاب إلى الأعلى