آخر الأخبار

فاتحة الاستدارات بقلم: فاديا جبريل

أحداثٌ متتاليةٌ لافتةٌ للانتباه في تسارعها وإيقاعها المُندفع شهدتْها نهاية العام المُنقضي 2018، تؤكّد بما لا يقبلُ الشكّ أنّ العالم كلّه باتَ على يقينٍ مطلقٍ بفشل العدوان على سورية وقُرب انتهاء الحرب التي شنّتها قوى البغي والعدوان عبر دعم آلاف الجماعات الإرهابية المسلحة وتجنيد العصابات التكفيرية لتفتيت وحدة المجتمع السوري وتقسيم أراضيه وإلحاقه بالمشاريع الصهيو-أمريكية المشبوهة في المنطقة.

أهمّ وأولّ هذه الأحداث زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى دمشق، وتأكيده أن سورية هي دولة مُواجهة، وإضعافها هو إضعافٌ للقضايا العربية، وما حدثَ فيها خلال السنوات الماضية لا يمكنُ فصله عن هذا الواقع، وعلى الرغم من الحرب بقيتْ متمسكةً بثوابت الأمّة العربية، معرباً عن أمله بأن تستعيد سورية عافيتها ودورها في المنطقة بأسرع وقتٍ ممكنٍ، وأن يتمكّن شعبها من تقرير مستقبل بلده بنفسه بعيداً عن أيّ تدخلات خارجية، مشدداً على وقوف بلاده إلى جانب سورية وأمنها، وأنها على استعدادٍ لتقديم ما يمكنها لدعم وحدة أراضي سورية.

وتالياً جاء تصريح وزير الخارجية النظام التركي مولود جاويش أوغلو في “منتدى الدوحة” بأنّ بلاده ستتعامل مع الرئيس بشار الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية تحت إشراف أممي، مؤكّداً أنّ الشعب السوري هو مَنْ سيقرّر مَنْ يحكم بلاده بعد الانتخابات.. ليأتي بعده إعلان البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسمه سارة ساندرز أنّ واشنطن بدأت بسحب القوات الأمريكية الموجودة في سورية، وتأكيد المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” دانا وايت ذلك بالقول: «بدأنا عملية إعادة القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة من سورية مع انتقالنا إلى المرحلة التالية من الحملة ضدّ تنظيم “داعش” الإرهابي»، هذا عدا عن الوفود العربية والغربية التي زارت دمشق سرّاً وعلناً، ونوايا بعض الدول في إعادةِ بعثاتها الدبلوماسية وفتحِ سفاراتها وقنصلياتها في سورية.

إذا استثنينا زيارة الرئيس البشير من هذه الأحداث المُتسارعة، والتي تلتقي مع ما كَشَفته تقارير إعلاميةٌ نقلاً عن مصدرٍ في الرئاسة التونسية، أنّ الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي يجري مشاوراتٍ لدعوة الرئيس الأسد إلى القمّة العربية في تونس (كانون الثاني 2019)، وذلك بالتنسيق مع دول عدّة بينها الجزائر، ولتقديم مقترح أيضاً برفع تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، انطلاقاً من أنّ أبواب دمشق كانت على الدوام مفتوحةً لكل دعوةٍ لوحدة الصفّ العربي، وإيمانها المطلق بأن القضية الوطنية لا تنفصلُ أبداً عن عُمقها القومي، فإننا ننظرُ بعين الريبة والشكّ إلى التوجهات التركية والأمريكية، خاصةً أنّ واشنطن وأنقرة تعصفُ بهما الخلافات المُستشرية مُتعدّدة الأسباب، وهناك خشيةٌ من أن تكون هذه الاستدارات تكتيكيةً ليس إلا، مدركين أنّ تركيا والولايات المتحدة من الصعب أن يعترفا جهاراً بهزيمتهما في سورية!.

اقرأ أيضاً

لكن وعلى الرغم من ذلك كلّه، وبناءً على ما سبق، لا بدّ من الوصول إلى الاستنتاج المبدئي الذي يُفضي إلى القول: إنّ الواقع العربي المأزوم (اليوم) وحالة الوهن والضعف التي تضربُ العواصم العربية برمتها، لا حلّ معهما إلا مراجعة قرارات الجامعة العربية التي ساهمتْ إلى حدٍّ كبيرٍ خلال السنوات الأخيرة في تدمير دول عربية وتسعير الحروب فيها، بدءاً من ليبيا وتونس وليس انتهاءً في سورية واليمن. ويبدو أنّ البعض ممن استشعر المخاطر المُستفحلة والتي كان أحدَ تجلياتها تعاظمُ الهيمنة الأمريكية وحملات الابتزاز التي تُمارسها على بلدان عدّة بينها الإمارات والمشيخات الخليجية، فضلاً عن سياسات ترامب الرعناء في المنطقة ومحاولة تمرير ما يسمّى “صفقة القرن” لتصفية القضية الفلسطينية، انبرى إلى الدفع باتجاه هذه الاستدارات التي بدأتها زيارة الرئيس البشير، لأنه يدركُ أنّ وجود سورية في الجامعة العربية –وهي من المؤسِّسين الأوائل- كان ضمانةً وحصناً لها من أي عبثٍ أو انتهاكٍ أو عدوانٍ، ومحاولة رفع تجميد عضوية سورية هي للتخلّص من حالة الحصار الذي تعيشه «الجامعة» وليس سورية!.

إنّ ما صرّح به الرئيس البشير بأنّ سورية هي دولة مُواجهة، وإضعافها هو إضعافٌ للقضايا العربية، وعلى الرغم من الحرب بقيتْ متمسكةً بثوابت الأمّة العربية، وأن بلاده تقفُ إلى جانبها وهي على استعدادٍ لتقديم ما يمكنها لدعم وحدة أراضي سورية، يكاد يكون قناعةً عامةً (اليوم) عند الكثير ممن توهمَ بأنّه قادرٌ، بأمواله وإعلامه الكاذب وتحالفه مع قوى العدوان، على «إسقاط» النظام ودفعِ البلاد نحو أتون الاقتتال والفوضى، بل باتَ على يقين بأنّ العدوان الغاشم والحرب الظالمة لم يزعزعا إيمان السوريين بقوةِ وطنهم وحكمةِ قيادتهم وبسالةِ جيشهم، وقد تحوّل ذلك كلّه إلى أمثولاتٍ وصفحاتٍ ناصعةٍ سيذكرها التاريخ طويلاً.

لم ولن نستغرب هذه الاستدارات المُتسارعة، لأننا توقعناها منذ السنوات الأولى للحرب، ولاسيما أنّ شعبنا الذي قاومَ هذه الحرب الإرهابية قالَها وسيقولُها إنّ مَنْ يحاصرُ سورية فإنّما يحاصرُ نفسه، وها هي الأيام تثبتُ ذلك!.

تابعنا عبر فيسبوك

لايك للمقالة

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرام

لمتابعة أهم الأخبار حمل تطبيق وكالة الآن الإعلامية من جوجل بلاي

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email

آخر الأخبار

أقرأ أيضاًمقالات مشابهة